فصل: تفسير الآيات (127- 129):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (123- 126):

{قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)}
المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. التقطيع من خلاف: إن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس بالعكس. الصلب: وضع الإنسان على خشبة وتعليقه مدة من الزمن نقمت الشيء: انكرته أفرغ علينا صبرا: أفِض علينا صبرا يغمرنا، كأن الصبر في دلو من الماء يفرغ عليهم، وهو مجاز.

.قراءات:

قرأ حفص {آمنتم} على الإخبار، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: {أأَمنتم}... بهمزتين، على الاستفهام، وقرأ الباقون {أآمنتم} بتحقيق الهمزة الأولى وتليين الثانية.
هال ذلك الامرُ فرعون، وأثار حميته فقال للسحرة: هل آمنتم وصدقتم برب موسى وهارون قبل أن آذن لكم؟ ان ما فعلتموه انتم وموسى وهارون، ليس الا مكراً دبّرتموه في المدينة (مصر) كي تُخرجوا منها أهلَها بخِدعكم وحيلكم لسوف ترون ما يحلّ بكم من العذاب، جزاء ذلك إنني أٌقسِم لأُنكّلنّ بكم أشد التنكيل: لأقطعنّ ايديكم وارجلكم من خِلاف، اليد من جانب والرِجل من الآخر، ثم لأصلِبنّ كل واحد منكم وهو على هذه الحالة المشوّهة.. لِتكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالكيد لفرعون والخروج عن أمره.
سمع السحرةُ هذا التهديد والوعيد من ذلك الجبّار المتكبر، فرجعوا إلى ربهم، وأبجابوا فرعون قائلين: {إنّا إلي ربِّنا مُنقَلِبون}، أي أنهم لم يأبهوا لتهديداته. ثم أضافوا: هل تعاقبنا يا فرعون لأنّنا صدّقنا موسى، وأذعنّا لآيات ربنا! انها واضحة دالّة على الحقّ، وقد جاءتنا، فهل تريدنا أن لا نعتبر بها!؟
ثم توجهوا إلى الله ضارعين: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} يا ربّنا هبْ لنا صبراً واسعاً نقوى معه على احتمال الشدائد، وتوفّنا على الإسلام غير مفتونين بتهديد فرعون، ولا مطيعين له في قوله ولا فعله.

.تفسير الآيات (127- 129):

{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)}
أتذَرُ موسى: اتتركه نستحْيِ: نستبقي نساءهم أحياء.
بعد أن شاهد فرعون وقومه ما شاهدوا، من ظهور موسى وغلبتِه وايمان السحرة به، قال الاشراف الكبراء من القوم، يا فرعون الجبار، هل تترك موسى وقومه احرارا آمنين؟ إنَّ عاقبتهم إن ظلّوا في هذه الديار ان يفسدوا عليك قومك بادخالهم في دينهم، وعندئذ يظهر لأهل مصر عجزُك وعجز آلهتك.
قال فرعون مجيبا للملأ: سنتقل أبناء قوم موسى كلّما تناسلوا، ونستبقى نساءهم أحياء، فهن يخدمننا. بذلك لا يكون لهم قوة، {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} نقرهم بالغلبة والسلطان. سنظل معهم كما كنا من قبل، فلا يقدرون على أذانا، ولا الافساد في أرضنا.
ولما رأى موسى أثر الخوف والجزع في نفوس قومه، شدّ من عزمهم وطمأنهم، فقال لهم: أُطلبوا معونة الله وتأييدَه، واصبِروا ولا تجزعوا. إن الأرض في قَبضة الله، يجلعها ميراثاً لمن يشاء من عباده، لا لفرعون. والعاقبةُ الحسنة للّذين يقون الله، بالاعتصام به، والاستمساك بأحكامه.
لكن هذه الوصية وتلك النصائح لم يؤثّر لم تؤثّر في قلوبهم، ففزعوا من فرعون وقومه، {قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} لقد نالَنا الأذى يا موسى، قبل مجيئك وبعده.
وكانوا قبل مجيء موسى مستضعَفين في يد فرعون، يرهقهم بالضرائب، ويتخدمهم في القيام بالاعمال الشاقة، ويقتل ابناءهم ويتسحيي نساءهم ثم جاء موسة، لكنه لم يستطع انقاذهم لذلك قالوا: {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}.
عندئذٍ فتح لهم موسى باب الأمل وقال لهم: {قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ}.
إن رجائي من فضلِ الله ان يُهلك عدوّكم الذي ظلمكم وآذاكم، ويجعلَكم خلفاءَ في الأرض التي وعدكم إياها، {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.
فيعلم سبحاه ما أنتم عاملون بعد هذا التمكين: أتشكرون النعمةَ ام تكفرون؟ وتصلحون في الأرض أم تفسدون؟.

.تفسير الآيات (130- 133):

{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)}
اخذنا آل فرعون: عاقبناهم وجازيناهم. آل فرعون: قومه وخاصته واعوانه. بالسنين: بالجذب والقحط. بالحسنة، المراد هنا: الخصب والرخاء، وبالسيئة: ما يسوؤهم من جدب أو مصيبة يطيّروا: يتشاءَموا، لأن العرب كانت تتوقع الخير والشر من حركة الطير، فاذا طار من جهة اليمين تيّمنت به ورجتْ الخير والبركة، واذا طار من الشِمال تشاءمت وتوقعت الشر، وسموا الشؤم طيرا وطائرا والتشاؤم تطيراً. الطوفان: كثرة المياه وطغيانها وتخريبها الأرض والزرع. القُمّل (بضم القاف وفتح الميم المشددة): حشرة صغيرة تلصق بالحيوانات وتؤذيها. وتطلب ايا على حشرة تقع في الزرع فتأكل السنبلة وهي غَضَّة. والجراد معروف، وكذلك الضفادع الدم: الرعافُ يصيب الناس.
ولقد عاقبنا فرعونَ وقومه بالجدب والقحط وضيق الميعشة، بنقص ثمرات الزروع والأشجار... رجاءَ ان ينتبهوا إلى ضعفهم وعجزِ ملكهم الجبار أمام قوة الله، فيتعّظوا ويرجعوا عن ظلمهم، ويستجيبوا لدعوة موسى عليه السلام.
ولكن فرعون واعوانه أخذهم الاغترار بقوّتهم وجبروتهم. كانوا إذا جاءهم الخِصب والرخاء قالوا: نحن المستحقون له لما لنا من الامتياز على الناس. ان اصبهم ما يسوؤهم، كجدب أو مصيبة في الابدان والرزاق، قالوا: انما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه. لقد غفلوا عن ظلمهم لقومِ موسى كما غفلوا عن فجورهم فيما بينهم. ألا فلْغلموا ان ما نزل بهم كان من عند الله، وبسبب أعمالهم القبيحة، لا نحساً رافقهم لسوء طالع موسى ومن معه. ولكن أكثرهم لا يعلمون حكمة الله في تصرفه مع خلقه.
ثم اخبر الله تعالى عن شدة تمرد فرعون وقومه وعتوِّهم، وإصراهم على الجحود فقال: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا....}.
قالوا ذلك لموسى: مهما جئتنا أيها الرجل بانواع الآيات التي تستدل بها على حقيقة دعوتك، كيما تصرفنا عما نحن عليه من ديننا، ومن استعباد قومك- فلن نصدّقك أو نتّبع رسالتك التي تدّعيها.
فأنزل الله عليهم مزيدا من المصائب والنكبات، بالطوفان الذي يغشى اماكنهم وبالجراد الذي يأكل زروعهم، وبالقُمّل الذي يُهلك حيواناتهم وسنابل غلّتهم، وبالضفادع التي تنشر فتُنَغّص عليهم حياتهم، وبالدم الذي ينزف منهم ولا يتوقف نزيفه- أصابهم الله بهذه المصائب، فلم يتأثروا بها. لقد قسَت قلوبهم، وفسد ضميرهم، فعتَوا عن الإيمان والرجوع إلى الحق، وأصروا على الذنوب {وكانوا قوماً مجرِمين} موغِلين في الإجرام كما هو شأنهم.

.تفسير الآيات (134- 136):

{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)}
الرجز: العذاب الذي يطرب هل الناس في شئونهم. العهد: النبوة والرسالة. النكث: نقض العهود والمواثيق. اليمّ: البحر.
بعد أن ذكر سبحانه الآيات الخمسة التي أرسلها على قوم فرعون، بيّن هنا ما كان من أثرها في نفوس المصريين جيمعا. لقد طلبوا من موسى ان يرفع الله عنهم العذاب، فاذا هو فعلَ آمنوا به. ثم تبيّن نقضُهم للعهد، وخُلفهم للوعد حتى حلّ بهم عذابُ الاستئصال بالغرق.
{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز...}.
ولما وقع ذلك العذابُ بهم اضطربوا وفزِعوا أشد الفزع وقالوا: يا موسى، سل ربّك ان يكشف عنا هذا الرِجز، ونحن نقسِم أن نؤمن لك ونرسل معك بني اسرائيل كما أردت، إن كشفت عنا هذا العذاب.
فلما كشفنا عنهم العذاب، مرة بعد أخرى، إذا هم ينقُضون عهدهم، ويحنثون في قَسمهم، ويعودون إلى ما كانوا عليه، ولم تُجدِ فيهم هذه المحن الزاجرة.
{فانتقمنا مِنْهُمْ} فانزلنا عليهم نقمتنا، بأن اغرقناهم في البحر جزاء استمرارهم التكذيب بآياتنا، وتمام غفلتهم عما تقتضيه هذه الآيات من الايمان والاذعان.
والخلاصة: لقد كانوا يُظهرون الايمان عند لكل آية من آيات العذاب ثم يكذّبو، حتى إذا انقضى الأجل المضروب لهم انتقمنا منهم بسب استمرارهم على الكذب. وكانوا غافلين عما يعقب ذلك من العذاب في الدنيا والآخرة.

.تفسير الآية رقم (137):

{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)}
مشارق الأرض ومغاربها: جميع نواحيها، والمراد بالأرض بعض بلاد الشام تمت كلمة ربك: مضت، وهي وعدُه اياهم بالنصر. باركنا فيها: بالخصب وسعة الرزق. دمرنا: خربنا وأهلكنا. ما كانوا يعرِشون: ينصبون العرائش من الجنّات، ويشيدون من الأبنية.
هذا آخر ما قصّة الله علينا وأخبرنا به من نبأ فرعون وقومه، وتكذيبهم بآيات الله. ثم أبتعه بقصَص بني إسرائيل، وما عينوه من الآيات العظام مثل: مجاوزتهم البحر، وما أحدثوه بعد إنقاذهم من ظلم فرعون مثل: عبادتهم العجل، وطلبهم ان يروا الله جهرة، وغير ذلك من المعاصي، وذلك ليعلم حال الإنسان وانه كما وصفه {ظلوم كفاّر} الا من عَصمه الله، {وقليلٌ من عباديّ الشَّكور}
وهذا كلّه ليسلّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أظهر بنو اسرائيل من العناد. ومع كل ذلك فقد أعطيناهم الأرض التي حباها الله بالخِصب والخير الكثير، في مشارقها ومغاربها. وقد نفذت كلمة الله الحسنى وتمّت أما وعد الله بالنصر شاملا لبني اسرائيل، فكان جزاء صبرهم على الشدائد. وأما تدمير ما كان يصنع فرعون وقومه من الصروح والقصور المشيدة، وما يقيمون من عُرُوش للنبات والشجر المتسلق فهو جزاء ظلهمهم وكفرانهم بالله.

.تفسير الآيات (138- 141):

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)}
جاوزنا: عدّيناهم. يعكفون: يلازمان الأصنام ويعبودنها. الاصنام، واحدها صنم: ما يُصنع من الحجارة والخشب والمعدن من التماثيل للعبادة من دون الله. وبعض العرب كان يصنع من التمر، فاذا جاع أكل الربّ الذي صنع متبر ما هو هم فيه: مدمَّر، والتتبير التدمير والهلاك باطل: زائل وهالك اغير الله ابغيكم ربا: اطلب لكم ربا غيره.
وجاز بنو اسرائيل البحر، بعنايتنا وتأييدنا، فلما قطعوه مروا على قوم كانوا منكبّين على عباده أصنام لهم، فلما شاهدوا ذلك غلبَ عليهم ما ألِفوه قديماً من عبادة المصريين للأصنام، فطلبوا نم موسى ان يجعل لهم صنماً يعبدونه كما رأوا القوم يفعلون. عندئذٍ سارع موسى إلى توبيخهم قائلاً لهم: حقاً انكم قوم سفهاء لا عقول لكم، لا تعرفون العبادة الصحيحة، ولا من هو الإله الذي يستحق ان يُعبد.
ان القوم الذيين ترونهم عاكفين على عبادة الاصنام قوم هالكون، وما يفعلون باطل وزائل، فهو من بابِ عبادة غيرِ الله.
ويْحَكُم يا بني اسرائيل! أأطلبُ لكم، معبوداً غير الله رب العالمين وخالق السماوات والأرض! أما منحَكم من فضله، لقد خصّكمن بنعمٍ لم يعطها غيركم من أهلِ زمانكم؟ ولقد فضّلكم على أهل عصركم هذا بأن هداكم إلى وحدانيته!
اذكروا إذ أنجاكم بعنايته من آل فرعون وظلمهم. وأنتم تعلمون انهم كانوا يذيقونكم، اشد العذاب، ويسخّرونكم لخدمتهم، ولا يرون لكم حرمة الا كما للبهائم. كانوا يقتلون ما يولد لكم من الذكرو، ويسبقون الاناث لتزدادوا ضعفا بكثرتهن، وليجعلوهن خدماً لهم ويستمتعوا بهن. ان فيما نزل بكم من تعذيب فرعون وانجائكم منه اختبار عظيم من ربكم ليس وراءه بلاء واختبار.

.تفسير الآيات (142- 145):

{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}
الميقات: الوقت المحدد. اخلفني: كن خليفتي. تجلي: ظهر نوره وعم الجبل. جعله دكا: مفتتا منهارا. خر موسى: وقع صعقا: مغشيا عليه من هول ما رأى. اصطفيتك: اخترتك. فخذها بقوة: بجد وحزم وعزيمة.
بعد أن بيّن الله تعالى ما أنعم به على بني اسرائيل من نجاة لهم من عدوهم وتحريرهم من العبودية- ذكر هنا بدء التشريع المنزل على موسى عليه السلام، وكيف انه واعد موسى ثم أنزل عليه التوراة.
لقد ضرب الله تعالى موعدا لموسى لمناجاته وإعطائه الألواح فيها أصولُ الشريعة في مدة ثلاثين ليلة، ثم اتم مدة الوعد بعشر ليال يستكمل فيها موسى عبادته، ويتلقى أوامر ربه فصارت المدة أربعين ليلة. وعندما توجّه موسى للماجاة قال لأخيه هارون: كمن خليفتي في قومي، أصلحْ ما يحتاجون اليه من امروهم، وراقبهم فيما يأتون وفيما يذرون، واحذر ان تتبع سبيل المفسِدين.
ولما جاء موسى في الموعد الّذي وقّته له ربه لمناجاته كلّمة ربه، لكن موسى قال: رب أرني ذاتك لأتمتع بها وأحصل على فضيلتَي الكلام والرؤية، وأزداد شرفا. فقال له ربّه: لن تطيق رؤيتي يا موسى. ثم اراد الله سبحانه ان يُقنع موسى بانه لا يطيق رؤية ما يطلب فقال: انظر إلى الجبل الذي هو أقوى منك، فإن ثبت في مكانه عند التجلّي فسوف تراني إذا تجلّيت لك. فلما تجلى الله للجبل انهدّ الجبل وبات أرضا مستوية. عند ذاك سقط تنزيهاً عظيما عما لا ينبغي في شأنك مما سألت، إن تُبْت إليك من الإقدام على السؤال بغير إذن، وأنا أول المؤمنين من قومي بجلالك وعظمتك.
ولما منع الله موسى من رؤيته عدَّد عليه نعمه ليتسلى بها فقال: يا موسى، لقد اخترتك مفضّلاً إياك على أهل زمانك، بتبليغ التوراة، وبتكليمي إياك من غير واسطة، فخذ ما فضّلتك به، واشكرني كما يجب.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها إمكان رؤية الله عن اكثر من عشرين صحابياً، لكنه ورد عن السيدة عائشة خلافُ ذلك. فقد رُوي عن مسروق قال: قلت لعائشة، يا أمّاه، هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربَّه ليلة المعراج؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلتَ، ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك ان محمداً رأى ربه فقد كذب، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ومن حدثك انه كتم شيئا من الدين فقد كذب. قال مسروق: وكنت متكئا فجلست وقلت: الم يقل الله: {ولقد رآه نزلةً اخرى} فقالت: أنا أول من سأل رسول الله عن ذلك فقال: «إنما هو جبريل».
وهذه الرؤية هي في الدنيا، أما الآخرة فانها تختلف عن هذه الدنيا، وكل ما في الحياة الآخرة يختلف اختلافا كليا عن حياتنا الدنيا.
وترى جمهرة المسلمين ان رؤية العباد لربهم في الآخرة حق.
بعد أن اخبر سبحانه في الآيات السالفة انه منع موسى من رؤيته في الدنيا، اخبرنا هنا بما آتاه يؤمئذ فقال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ...} الآية.
أي أعطيناه ألواحاً بيّنا له فيها كل شيء من المواعظ والاحكام المفصلة التي يحتاج الناس اليها وقلنا له: خذ الالواح بجدٍّ وحزم، وامُر قومك ان يأخذوا بأفضل ما فيها وأيسره وان لا يشدّدوا على انفهسم. وسأجعلهم يرون دار الخارجين على أوامر الله، وما صارت اليه من الخراب، كما سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي، فلا تخالفوا حتى لا يصيبكم ما أصابهم.